09 أكتوبر, 2009

الرسم المعاصر في العراق:


موسوعة الفن التشكيلي
الرسم المعاصر في العراق

الجانـب الاجتماعـي

عادل كلمل

· مدخل : تاريخ
ترتبط غاية فن الرسم – بالرغم من بعده الجمالي – وتتجسد عبر علاقات مشتركة بين وظيفة الفن ، والغايات العامة للواقع الحضاري – والثقافي بصورة أخرى .. أي الفن يرتبط بالفلسفة والقيم السائدة ثقافياً وروحياً وما شاكل ذلك من ناحية، وترتبط كذلك بالدوافع الخاصة بحرفيات هذا الفن ومحتوى لغته وبمحاولات الفنان الدائمة بالخروج بإضافات هي في الأصل التعبير عن التقدم العام في هذا المجال من ناحية ثانية .. بيد أن وظيفة فن الرسم لا تنفصل عن التطور العام الحاصل في البنية الاجتماعية .
ولعل الخلاصة التي نعرفها عن تاريخ الفن التشكيلي القديم في العراق، تضعنا إزاء معادلة واضحة وهي أن رؤى الفنان ارتبطت بالوظيفة الاجتماعية للفن أولاً ، وبمفاهيمه الفلسفية، ثانياً . وبمعنى أدق نكون إزاء حقيقة أن الفن لم ينفصل عن صيرورة الحياة وتكونها الحضاري، وتجددها من منظور فعل الإنسان الخلاق ، وهذا ما أثبتته حضارة وادي الرافدين خلال العصور القديمة ، والوسيطة ، وهذا ما تحاول ان تثبته الآن ، ضمن حقبة التحديث وصولا ً إلى الحداثة، وملامحها الوطنية والقومية.
وعلى كلٍ فإن الانتقال من الحضارة القديمة إلى المرحلة الوسيطة ( الأموية والعباسية ) لا يدفعنا إلى القنوط ، بل إلى معرفة هذا التاريخ الذي دمرته الحروب وحملات الغزو الخارجي . وعلى سبيل المثال تعتبر رسوم الواسطي خلاصة تاريخية ونماء داخلي للموروث العربي ، يجعلنا أمام تاريخنا القديم ، وجهاً لوجه . ذلك لا لأن رسوم يحيى الواسطي تكشف عن صلتها بالحاضر المعاش فحسب ، وإنما عن استلهام متجدد لجوهر التراث، بصورة تضع الخلق الفني في المقدمة. بيد أن هذا الخلق ، في المحصلة ، لا ينفصل عن هدف الفنان بالتعبير الأصيل عن واقعه، وعن الأفق الشمولي لهذا الواقع.
ولا يأتي هذا كرد فعل يقابل الغزوات الثقافية الخارجية ، وإنما كفعل أصيل لمحتوى الفن ، بالمعنى العام والشامل . ومن هنا كان ازدهار فن التصوير عظيماً ، ومجسداً لا في فن المعمار حسب ، بل وفي الرسوم الخاصة بالكتب وغير الكتب .
وعلى كلٍ ، كان للغزو الخارجي أثره المدمر على كافة المستويات ، ثقافياً وفنياً . وبالذات أثر الغزو الخاص بسقوط بغداد (1258م) على يد المغول . وكارثة استمرار آثار هذا الغزو للحضارة العربية . والتاريخ العربي الحديث يضعنا أمام حقيقة ان النهضة العربية ، لم تبدأ ، إلا في وقت متأخر ، قد يرتبط بالحرب العالمية الأولى ، أو بحملة نابليون على مصر العربية . ولكن تاريخ النهضة العربية المعاصرة لم يرتبط ، عملياً ، وبشكل مباشر ، إلا في بداية الأربعينات من هذا القرن ، حيث كان الوعي القومي قد استعاد قواه وفعله الحضاري عامة . ومؤرخ الفن سيلاحظ ، إن أهم التجارب الفنية ، لم تبدأ إلا في هذه السنوات – أو قبلها قليلاً – كما أن المؤرخ هذا ، سيرى بان بداية الرسم في العراق ، لم تبدأ إلا في هذه السنوات من العقد الرابع والخامس.
· ما معنى البعد الاجتماعي للفن ؟
لن ندرس هنا ذلك البعد الداخلي الخفي المرتبط بروح الفن، والذي يجعل منه، بالرغم من حركة الزمان، خالداً أو قادراً على التجدد والنماء، بل سنحاول ان نؤرخ للعلاقة بين الفن والمحتوى العام للأفكار السائدة ، والحية . كما سنحاول ان نبرهن على ان صلة الفن بالإنسان هي ، قائمة في المرتبة الأولى على البعد الاجتماعي بمعناه الدقيق والعميق . وبمعنى آخر ان الفن لا يظهر كقيمة حضارية إلا باعتباره عاملاً من عوامل الحضارة وبرهاناً عملياً مميزاً بين معنى الحضارة وما يغايرها . وليس هذا يعني ان الإنسان أو المجتمعات البربرية لم تشهد فناً ، وفناً له سحره ونفاذ بصيرته ، وإنما أقصد من هذا ان للفن بعداً اجتماعياً وافقاً يرتبط بمجمل التصورات المتولدة من المفاهيم والعلاقات الخاصة المتقدمة على الصعيد الروحي للإنسان ، كمخلوق جمالي أو كمخلوق يسعى الى تحقيق الجمال .
والفن وفق هذه الفرضية : انعكاس دقيق لنشاط اجتماعي عام ، ونفسي وجمالي أخيراً . أي كونه لا ينفصل عن البعد الثقافي ، أولاً ، والفني ، ثانياً . ولكن البعد الأخير يسهم غالباً بتطوير هذا الانعكاس الى محاولة لبلورة رؤية اجتماعية فنية وإما تشكل امتداداً متطوراً لها أو بديلاً . ومن هنا سندرس خصائص فن الرسم كقيمة اجتماعية وفنية في الوقت ذاته . لكن أهم قضية لا بد ان تبقى حاضرة في هذه الفرضية هي ان التاريخ الواقعي ينبغي أن يبقى واضحاً . أي الحفاظ على الخصائص الخارجية وعكسها من خلال الواقع الاجتماعي وبعده الفني المرتبط بعدة عوامل . وبالتالي نلاحظ بان الأسلوب الفني ، ما هو ، في المحصلة ، إلا مرآة لهذا الواقع أولاً ، وما هو إلا محاولة للتجديد في الرؤية ثانياً .
وفن الرسم في العراق ، عموماً ، محصور بين الفرضيتين السالفتين . فهو أمام انعكاس اجتماعي ثقافي . وأمام تعبير عن امتداد وتطور ومحاولة لبلورة رؤية فنية بديلة . وعلى أية حال ، فإن التطور الحاصل في الرسم المعاصر في العراق ، يشكل خطورة مهمة في حركة الرسم العربي المعاصر . وان دراسة البعد الاجتماعي ، بحد ذاتها تكشف عن كون هذا المفهوم ليس منفصلاً عن المفاهيم الأخرى . فأنا هنا أعتمد أساساً في منهجي على دراسة العوامل المكونة للظاهرة الفنية أصلاً ، وبالتالي – بعد تكون الظاهرة – أقوم بتحليلها ومقارنتها ﺑـ » المثال « الفني أي المثال الذي يجسد الصياغة الفنية المعاصرة .
وعلى كلٍ فإن البعد الاجتماعي لفن الرسم يرتبط أولاً وأخيراً ، بالمحتوى العام للحضارة ولتطبيقاتها الجذرية . وإذا كنا سنعاني من صعوبة في البرهنة على نموذجية هذا المثال ، فإننا في الأصل لم نسع الى ذلك ، وإنما كنا نحاول هنا ، ان نبين أثر العمل الاجتماعي – بكل تعقيداته – وصلته بالفن من خلال دور الفن ، ومن خلال علاقة الفنان المجددة للرؤية ، ودور الفنان المغير فكرياً ، وفنياً في التطبيق العملي .
· الفن كانعكاس اجتماعي
ان الظروف التي مهدت للفن التشكيلي المعاصر في العقود الأولى من هذا القرن ، ارتبطت بعوامل عدة مختلفة . بيد انها ترتبط بأسس عامة منها ارتباط ( الفن ) بمحتوى ثقافي جديد ظهر في بداية العقود الأولى – العقد الثالث والرابع – ولم يكن وجود الفن التشكيلي إلا ضرورة عامة ارتبطت بتلبية هذه الحاجات بهذه الفئة الاجتماعية ذات الثقافة الخاصة . فبوجود » درس – مادة «للرسم في المدارس الى تأسيس معهد الفنون الجميلة قسم الفنون التشكيلية (1939) يكون هذا الفن قد فرض وجوداً خاصاً له بالبناء الاجتماعي وفي التكوين الثقافي المستحدث . فالاعتراف الرسمي بهذا » الدرس « الفني يعكس لنا قضيتين :
الأولى : ان الاعتراف الرسمي اعتمد على تلبية حاجات ضرورية تدخل ضمن صلب الواقع الاجتماعي وعلاقاته .
الثانية : استجابة هذا الوسط ، نسبياً ، لهذا الفن الذي أحيا صلات الناس بالحاجات الجمالية . وعلاقة الوسط الاجتماعي بالفن لها ما يبررها من صلات بالفن الشعبي وبالحرف اليدوية وما شابه ذلك (5) .
لهذا فاستجابة الفنان للموضوعات الفنية ، في هذه المرحلة من الزمان ، لم تكن استجابة خارجية ، أو ذات أهداف كبرى على صعيد المحتوى الفني وأبعاده الحقيقية ، إنما يمكن فهمها ومعرفة مكوناتها من خلال استجابة الفنان للتعبير عن مستوى تذوقي وثقافي واضح لدى تلك الفئة من المتذوقين والمنتسبين الى رجال الشعر والأدب والطبقات الجديدة ذات النفوذ والجاه .
فمن خلال دراسة الأعمال المنفذة – منذ بداية هذا القرن – غالباً ما تبرز الموضوعات الموضوعات المتعلقة بالمنظر الطبيعي والصور الشخصية والحياة الجامدة في مقدمة الموضوعات التي غدت شائعة وكاشفة بالتالي عن فهم المستوى ( التذوقي – والجمالي ) لتلك المرحلة من مراحل تاريخنا الحديث . وبالفعل فإننا نلاحظ تكرار الموضوعات بصورة تدل على » سكونية « الواقع الاجتماعي وحدود رؤيته بحدود لا تتجاوز التأمل الخاطف والسريع للحياة مما دفع بالفنان الى رسم ( المناظر ، الصور الشخصية ، الحياة الجامدة ، واستنساخ الصور واللوحات الجاهزة ) وهذا ما حدد ، بالتأكيد من ( فعالية ) الفنان الابداعية ، وأطرتها بحدود المحاكاة ، وبحدود إرضاء الذوق العام والخاص بتلك المستويات التي كانت لا تبحث عن الفن من أجل إعادة صياغة الحياة الجمالية ، وإنما للاكتفاء بتصوير البعد الواقعي المحدود الأبعاد ، وبالبعد الجمالي المرتبط بمحاكاة الأشياء بصورة لا ابداع أو تجديد فيها . يعني هذا ان الواقع الاجتماعي / الثقافي قد أثر في فعالية المبدع تأثيراً يتناسب مع ( وعي ) الفنان المحدود والمتفتح حديثاً لمعنى ولفعالية الفن – بعد عهد طويل من التخلف والركود الثقافي .
ومن يدرس موضوعات تلك الحقبة يلاحظ مباشرة ميل الجمهور الى الرؤية الهادئة الخالية من الاضطراب الذي سنراه – مثلاً – متجسداً في أعمال الفترة اللاحقة – الخمسينات – كما نلاحظ محدودية الموضوعات ، وتكرارها ، وتحدد أو ارتباط الفنان باسلوب مدرسي يخلو غالباً من التجديد أو البراعة أو المهارة الشخصية ، أو الأسلوبية بمعنى أدق .
وعلى كلٍ فالفنان في هذه المرحلة ( الثلاثينات ) لم يكن يعتمد في تجربته الفنية إلا على اجتهاده الشخصي ، وعلى تجارب عدد قليل من الفنانين كانوا قد درسوا في الخارج وكان لهم تأثير مباشر في إحداث قفزة نوعية ستعيد البداية الأصيلة لحركة فن الرسم ، وتمنحها طابعها المعاصر . بالتالي فإن انعكاسات الأبعاد الاجتماعية كشف أيضاً عن نمط تفكير الفنان أو نظامه التعبيري الذي عكس ، في المحصلة ، المستوى التذوقي العام ، أي المستوى الذي حدد وظيفة الفن بالفن التزييني المعتمد على المحاكاة في الدرجة الأولى .
__________________________________________________________________
(5) يرى الناقد فاضل ثامر ، وهو على كثير من الصواب [ إلا ان هذا المسار الوعي لحركة الفن العراقي – يقصد الرواد – لم يتواصل في خط مستقيم لإغناء السمات الخصوصية للفن التشكيلي العراقي خلال الستينات والسنوات التي أعقبتها ] جريدة الثورة البغدادية / 8 / 11 / 1986 . إذ يرى ان هناك قطيعة في التواصل الذي يحقق الهوية الوطنية والقومية في الفن ، وان الفنان العراقي – الرسام والنحات – قد تأثر بالتجارب العالمية على نحو أفقده خصوصيته … وبالتأكيد لا بد من القول هنا بان فن الرسم لم يكن كالشعر يمتلك وظيفة التحريض أو التعبير النفسي العميق أو الرمزي .. وإنما اكتفى ، كما ذكرت ، بالاهتمامات السابقة ومع ذلك ، يكشف هذا الواقع ، عن عدم ارتباط الفن عامة والرسم خاصة بالشعب ، وبالتعبير عن خلجاته الداخلية الأصيلة . وبمعنى أوضح : كان فن الرسم محصوراً ضمن المناخ الثقافي الوليد – ولا ننسى تأثير ثورة العشرين – ومحدد بعدد من المهتمين بالثقافة والسياسة والفن .
فلم يكن جواد سليم أو فائق حسن أو حافظ الدروبي أو شاكر حسن أو محمود صبري قد عرفوا بعد بريادتهم لحركة فن الرسم إلا بعد سنوات ، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية . فقبل هذا التاريخ لا يوجد ثمة ما يمكن ان ندعوه بالواقع الفني الرصين – أو الحقيقي – ففي عام( 1932) ، افتتح » المعرض الصناعي الزراعي « ببغداد ، وكان افتتاحه إيذاناً بدخول أولى إشارات الرسم – وعالم الفن – الى واقع الناس ، بعد ان كان فن الرسم » الهوية الرفيعة « الذي يمارسه عدد قليل من الرسامين ، ولا يألفه الجمهور ، بل ولا يعرفه إلا ضمن حدود ضيقة من مدارس ذلك العهد ، كما يقول نوري الراوي في حديثه عن هذه الفترة – المثقف العربي عدد 4 ، 1971 :
ولكن بعد الحرب العالمية الثانية تغير الوضع الفني جذرياً . فمن خلال حالة الحرب والغليان الوطني والقومي ، وبوجود عدد من الفنانين البولونيين ، نتلمس بداية جديدة أو علاقة جديدة بين الفنان والجمهور : علاقة تجعل من المضمون الاجتماعي ، بعداً يعطي لعمل الفنان قيمة لم تكن تلحظ في السابق . على الأقل في وجود تقاليد أولية للرسم ضمن الواقع الذي لا يشجع على وجود قفزات فنية كبرى .
فإذا عرفنا ان تجارب الرعيل الأول من الرسامين بأنها كما يقول جواد سليم في يومياته المؤرخة بـ
16 / 11 / 1944 ما يلي :
» كانوا قلائل تحدق بهم المصاعب من كل جانب في عملهم الابداعي وتهيئة الجمهور للفهم والتذوق … كانت محاولاتهم صعبة وهم يهيئون الأسس للأجيال الشابة القادمة . كان عملهم ينحصر في تأليف حلم هذا الأعرابي الملون غير المتناهي في كتب التاريخ وزخارف الريازة العربية ، وحتى لأبعد من ذلك ، بين إنسان عاش بين أحضان النهرين منذ آلاف السنين وصنع من طين هذه التربة تماثيل صغيرة جميلة ، وبين تعبير استمده من لندن وباريس وروما « .
وأما الجمهور ، فإنه على سذاجته وانصرافه عن تذوق هذا الشيء الجديد ، فقد مهد للفنان أرضاً خصبة بكراً لبذر الثقافة الجديدة .
فإن القفزة الجديدة ، كانت تكشف عن وعي متميز في فهم دور الفن وعلاقته بالجمهور .

§ بلورة رؤية متقدمة
بالرغم من أن الموضوعات الاجتماعية ، في حدود مصطلح » الانعكاس « ستتكرر في أعمال الرسامين اللاحقين ، وغالباً ما ستبدو هي السائدة ، إلا ان الأعمال ذات الرؤية المتقدمة ، والفهم الموضوعي بحركة الواقع ، ستكون الأكثر تمثيلاً لحركة الرسم ، بعد منتصف العقد الرابع ، وحتى ثورة (1958) .
ومحتوى هذه الرؤية جاء بعد :
ـــ فهم الواقع ، وتجسيده بصورة تنم عن وعي فني .
ـــ وعن وعي فكري ، يلتزم بخلق الشخصية الفنية ، وتأصيلها .
ـــ وبالتالي ، خلق المعادل بين تجربة الرسام المستعارة من التجارب الأجنبية ، وواقعه ، ببعد فني يشير الى وجود تجارب ذات رؤية جديدة للواقع ، والحياة بمعناها الشمولي ، والى العملية الابداعية بصورة خاصة .
ولعل دراسة الأعمال التالية ، تكفي لوجود هذا الواقع الفني ، أي عمل فائق حسن عن الموسيقيين ، وأعمال محمود صبري الشعبية ، وبغداديات جواد سليم ، وعمل شاكر حسن عن الوثبة ، وأعماله المستمدة من » ألف ليلة وليلة « ، وعمل رسول علوان ( المحلة ) ورسوم حافظ الدروبي للمدينة والمشاهد الشعبية المختلفة ( البناؤون مثلاً ) وقرى خالد الجادر ، وأعمال عطا صبري ، الخ .
فمن خلال هذه الأعمال نلاحظ التنوع في موضوعات الفنان ، واتساع رؤيته الاجتماعية ( التي كانت ، بلا شك ، ملازمة للتطور السياسي والثقافي ) وإدراكه بان الفن ليس مجرد انعكاس سلبي للواقع ، وإنما هو – الفن – تعبير عن رؤية تسهم بخلق تصورات مستحدثة تتجاوز التصورات السابقة ولكن من خلال تحديد دقيق لمفهوم الأصالة أولاً ، والى مفهوم البعد الفني ثانياً .
فالأصالة تعني بهذا المعنى : تحديد المفهوم الثقافي للعملية الابداعية . والبعد الفني يعني : تجاوز المفاهيم المدرسية الى مفاهيم أكثر تحرراً من المحاكاة والاتجاهات ذات النمط التقليدي .
ومن خلال الشواهد السابقة – وهي أمثلة قليلة – نستشف ، ان علاقة الرسام بالواقع الاجتماعي قد اتسعت ، وغدت أكثر تعبيراً عن المشكلات الآنية المعاشة . وبهذا الاتجاه لا بد من الإشارة الى عدة مستويات .. فعلى الصعيد الأول : هناك معالجات كثيرة لموضوع ( المدينة ) والى الحياة في المدينة . حيث يرسم الدروبي وشاكر حسن وجواد سليم وغيرهم أجواء واقعية مستمدة من طبيعة المدينة . وعلى الصعيد الثاني نلاحظ تجاوز الرسامين المفاهيم السابقة الى مفاهيم متحررة أسلوبياً ، وذات صلة خفية – أو واضحة – بالمضمون الاجتماعي . ولكن غالباً ما كانت هذه التجارب تمتلك أكثر خاصية ، منها :
ـــ التأثر بالمدارس الأوربية ، كمضمون أو كأسلوب.
ـــ ومحاولة الرسامين لخلق معادل بين التأثيرات والموروث العربي .
ـــ والتوصل الى اسلوب له خصائصه الموضوعية والذاتية .
وعلى الصعيد الثالث نرى عدة أعمال لجواد سليم ، منها » السجين السياسي « ومحمود صبري ، منها » ثورة الجزائر « وشاكر حسن ، منها » الوثبة « وهي أعمال ذات اتجاه سياسي لا ينفصل عن المحتوى الاجتماعي المتقدم والذي يجسد ، عملياً الرؤية المتقدمة والموضوعية لفهم تناقضات الحياة الواقعية من ناحية ، والبديل الفني من ناحية أخرى . ذلك لأن هذه الأعمال تكشف عن مستوى ثقافي – فني – جديد ، وعن وجود مناخ ( اجتماعي ) يلتزم هذه التجارب الوليدة .
فالعلاقة الاجتماعية بين الفنان والمجتمع ، من خلال هذه النماذج وغيرها ، تغيرت ، وتغيرت باتجاه جعل من فعالية الفن أكثر حضوراً اجتماعياً ، أو شعبياً بالمعنى الادق . أي ان الفنان لم يعد برؤيته محدداً أو محدوداً ، وإنما غدا أكثر حرية في خلق حوار وجدل بينه وبين جمهوره ، وانه لهذا السبب ، ربما ، اكتشف علاقته الصميمية التي أتاحت له ان يخاطب الضمير الشعبي ، وليس » ذوق « فئة من المثقفين أو أشباههم . وبهذا المعنى فإن تطوراً مهماً حدث في واقع الرسم ، أي في هذا الاتجاه الذي كان جواد سليم ومحمود صبري وغيرهما قد قادوه الى مفهوم يجعل من الفن » مرآة « واضحة يمكن ان تعبر عن النواحي الذاتية والموضوعية ان لم أقل الروحية للإنسان ، بدل التوقف عند المحاكاة والتقليد .
بيد ان هذه التجارب – من زاوية أخرى – تضيء لنا أكثر من اتجاه سار فيه الرسام – ضمن البعد الاجتماعي – فهو أولاً : لم يعد محاكياً للواقع ضمن المفهوم المدرسي ، وإنما تجاوز المحاكاة لصالح تجارب اسلوبية متنوعة ومتباينة وذات أفق يتسم بالحرية في التجريب ثانياً . وأخيراً انه سعى الى بلورة مفهوم يجعل من البعد الجمالي أساساً لتجربته الفنية أي لتجربته ذات البعد الاجتماعي . وأخيراً ، وبشكل أدق ، ومحاولة الرسام لبلورة وحدة بين البعدين المضموني والفني باتجاه لا ينفصل عن التوجه الفني وصلته بالمضامين فالرسم ، منذ جواد سليم ، وحتى الآن كان على علاقة ضمنية بالحياة الاجتماعية .
بيد ان علينا ، ونحن نحدد هذا » البعد« من أبعاد الرسم في العراق ، ان نشير الى قضيتين أساسيتين:
الأولى : أثر الواقع الاجتماعي في تجربة الرسام .
والثانية : الأثر الفني وتفاعله بالبعد الاجتماعي المتقدم .
فعلى صعيد أثر الواقع الاجتماعي ( سياسياً ، اقتصادياً ، حضارياً ) نلاحظ عمق التأثير السلبي على تجارب الرسامين بشكل عام .. وفي السنوات الأولى من هذا القرن ، وحتى منتصفه .. ففي تلك الفترة ، كانت تجربة » الرسم « تتضمن ، بهذا الشكل أو ذاك ، تحدياً لنمط خاص بالحياة الاجتماعية . فالرسم – والفن التشكيلي عامة – لا يشكل إلا قيمة من قيم هذا الواقع وتقاليده . بيد ان التقدم النسبي ، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، وضمن النهوض الوطني والقومي ، أسهم بخلق مجال فني أوسع وأكثر شمولية من السابق .
يمكن ، خلاصة ، وفي إيجاز القول : بان تجربة الرسام تنقسم الى مرحلتين : المرحلة الأولى التي ارتبط فيها الفن بالأبعاد الاجتماعية وضمنها كان الرسم محدوداً بالأفق الاجتماعية . وأية دراسة لطبيعة الرسم وخصائصه لا بد وان تكشف لنا عن عمق هذه الصلات وانعكاساتها من خلال المواضيع والأساليب الفنية .
ولكن على الصعيد الثاني ، نلاحظ ، عمق التحدي لدى الرسام – عند رواد الحركة التشكيلية ، والجيل التالي – فقد نجحت هذه الجهود عامة في خلق مناخ فني وتقاليد فنية ضمنها التوسع في إرسال الفنانين للدراسة في الخارج ، وتأسيس معهد الفنون – قبل الحرب العالمية بقليل – وإقامة معارض جماعية ، وفردية ، وما شابه ذلك . وبمعنى أدق : ان هذه الجهود نجحت في لفت أنظار الجمهور الى وجود » لغة« حضارية لها قيمتها وأثرها ، لغة تخاطب الحواس والفكر على حد سواء . وكان من تأثير هذه » اللغة« ان اتسعت رقعة الحركة التشكيلية ، وقبل كل شيء ، إثبات شرعيتها ضمن الكيان الاجتماعي – أو الرسمي ان صح القول – بعد هذا نلمس بوضوح تأثير هذا الفن في الجمهور من خلال التقاليد الجديدة ومن خلال دور الصحافة أيضاً ، ومن خلال الأعمال المتميزة التي سعت في التعبير عن ضمير الجمهور وأفكاره الأساسية ولا بأس ان أشير هنا الى ما أعقب الوثبة (1948) من أعمال فنية ذات مناخ جديد . فعمل شاكر حسن ( الوثبة ) وغيره ، تكشف عن عمق صلة الرسام بالواقع الاجتماعي الشعبي ، وسعيه الى خلق لوحة ذات مضمون سياسي مغاير للذوق الاجتماعي السائد ، وللذوق الذي لا يناسب وفكرة النهضة الوطنية وواقع عصرنا . كذلك نلمس أثر ثورة (الجزائر) في عشرات الأعمال ، وما أسهم به الرسام في تأسيس المؤشرات والحقائق الخاصة بالعاطفة العامة للشعب – بدل التعبير الاجتماعي المحدود – من هنا يكون الطريق الآخر للفن قد أتخذ مداه الأصيل: فبعد ان كان الرسام يعمل ضمن الأبعاد المحدودة ، وصار – ضمن ارتباطه الاجتماعي أيضاً – أكثر تحرراً وتمرداً على الذوق – الرسمي – السائد . وفي محاولة أصيلة لمنح البعد الفني قيمة مستقبلية .


§ الرؤية المعاصرة
لم يظهر فنان عراقي كجواد سليم استطاع ان يحقق عمق رؤاه بفن معاصر . وهذا ما نراه في أعماله الكبرى ، في النحت أولاً وفي الرسم ثانياً . ولا يعني هذا التقليل من التجارب الأخرى : تجربة فائق حسن أو شاكر حسن أو إسماعيل الشيخلي أو خالد الجادر وأخيراً تجارب محمود صبري ، وإنما يعني ، من منظور أدق : ان جواد سليم كان يمتلك رؤية عميقة استطاع بها ان يجد الوسائل العملية لها ، كما استطاع بهذه الرؤية ان يؤسس بدايات لفن عربي معاصر يمتلك امتداد الموروث ، وخاصية الالتزام والمعاصرة . ومن هذا المنظور ، باعتقادي ، نستطيع ان نحدد محتوى الرؤية البديلة ، وتقييم التجارب الأخرى للفنانين .
لقد كان جواد سليم ، يعني قبل كل شيء : طاقة فذة استطاعت الشك بشرعية التجارب السابق ، وأيضاً : إعطاء البديل النظري والعملي كذلك .. فقد نجح ، مثلاً ، في خلق الحوار مع الحضارة العربية ، وربما هو الفنان الأول الذي نظر الى التاريخ القديم : السومري ، البابلي ، الآشوري الخ واستلهم منه روحه وعظمته ، فضلاً عن استلهام الموروث الفني الإسلامي . إلا ان هذا لم يحدث ، أو يتم جزافاً ، أو لمجرد رغبة طارئة ، وإنما كان جواد سليم عقلاً حساساً يمتلك قدرة تجسيد الوعي الجديد والواقع بمناخه البديل .
يقال هذا كله من أجل تحديد » الرؤية البديلة« أي الرؤية التي جاءت بديلاً لمعظم التجارب السابقة . تجارب ما يسمى بالرسامين الأوائل وغيرهم . وليس عبثاً ان يبقى جواد سليم ، كما قلت ، رائداً فذاً في تجربة الفنان التشكيلي العربي المعاصر – إذا ما عرفنا ان تجربته في الأصل ، قامت على وضوح في الرؤية والمنهج – ففي العقد الرابع ، والخامس ، كان مخاض الفكر العربي قد تجسد بميلاد فكر ثوري جديد : أي ميلاد الفلسفة العربي البديلة . وانا أرى ان تجربة جواد سليم ، في سياقها التاريخي والروحي ، كانت تسير في هذا الاتجاه تماماً . واست الآن بصدد الحديث عن تأثير فلسفة البعث في فن جواد سليم ، إنما أنا بصدد ما توصل إليه جواد سليم ، ضمن السياق الفكري العام للنهضة العربية المعاصرة . بمعنى أدق : نجح جواد سليم في بلورة رؤية عميقة تستلهم الماضي ، وتدرس الحاضر من أجل فن لا ينفصل عن ضمير الجماهير . » ملحمة الحرية« - الشجرة القتيلة – السجين السياسي ..الخ ومن أجل فن تتوحد فيه الرؤية الجمالية بالمضمون السياسي ، على ان يؤدي هذا دور التحدي الاجتماعي ، ودور الفن وخصائصه بالمعنى الشامل .
لقد نجح جواد سليم في هذا المجال ، كما نجح محمود صبري في خلق رؤية بديلة ذات توجه اجتماعي مباشر ، ملموس ، ويعتمد على الوضوح الذي يبلغ حد الإفصاح عن الانحياز الفني ، فلقد انحاز محمود صبري مبكراً في التعبير عن الطبقات الكادحة ، والتعبير بشكل صريح عن المحتوى السياسي لها . بيد ان تجربتي جواد سليم ومحمود صبري ، تنحازان الى خلق مناخ فني جماهيري . مناخ فني يقوم على » الفكرة« . وإذا نجح سليم في التعبير بعمق عن أفكاره فإن محمود صبري هو الآخر ، كرس فنه وبتعبيرية ذات خصائص قومية ، في التعبير عن فكرة ارتباط الموضوع بالشكل .
أما فائق حسن ، فكما نعلم ، لم يخضع الرسم الى الفلسفة ، ربما ، كما أرى ، أبعد الفلسفة عن الرسم لأسباب أبرزها قناعته بان موهبته وحدها قد ارتبطت بوعيه الخاص بالرسم الواقعي : فلقد حول الواقع الى مشهد اجتماعي ، والى علاقات وتقاليد وصور ومشاهد للحياة اليومية : الصيد ، القرية ، الحب ، وغير ذلك كثير . وأعتقد لهذا السبب ان فائق حسن استطاع ان يؤسس قاعدة عملية ، حرفية ، للرسم في العراق . وانه نجح لهذا السبب في دعم التجارب الأخرى الأكثر تحرراً من هذا المفهوم الواقعي ، الذي أرساه هو وغيره أمثال عطا صبري وحافظ الدروبي وخالد الجادر وغيرهم .
ولكن حركة الرسم لم تتوقف لدى جيل الرواد . ان الزمن يتقدم ، والرسامون ما عادوا أسرى المفاهيم المدرسية ، فبعد ثورة (1958) وحتى ثورة (1968) هناك عشر سنوات كان الزمن فيها قد شهد غلياناً داخل غليان ، وتجارب إبداعية لما تزل شاغل النقاد والجمهور الفني . ففي هذه السنوات عاش المجتمع عدة ظروف متباينة ، كان الفنان فيها قد أرسى عدة قيم إبداعية جديدة خاصة بالرسم في العراق ، وبالتقاليد الفنية له .
ومع ان أغلب الاتجاهات في الرسم ، التي ظهرت في هذا العقد الصاخب ، لم تستمر ، ولم تتطور بالاتجاه ذاته الذي بدأت فيه ، إلا ان محتوى معظم هذه التجارب ، قد تعدد ، وسار بمنهج لا يختلف كثيراً عنه إلا في بعض المشكلات التقنية ، أما المحتوى ، فإنه قد توضح أكثر فأكثر ، وصار أكثر ارتباطاً بالغايات الفنية .
ولا بد ان نشير الى المحتوى العام لهذه التجارب التي ظهرت في هذه الفترة ، ( إسماعيل الترك )( كاظم حيدر )( المجددون ) وغيرهم حيث كانت ثمة ظاهرة مضادة للتجارب السابقة : ظاهرة ذات شقين : الأول : استلهام تجارب العصر ، والتحرر من القيود . والثاني : التمرد بكافة أشكاله : الفنية ، والاجتماعية ، وبالتالي محاولة لخلق الرؤية البديلة .
من خلال هذا الواقع قدم إسماعيل الترك وكاظم حيدر ومحمد مهر الدين ، وغيرهم : تجارب في الرسم متعددة المصادر ، ولكنها ذات هدف أكثر صراحة بمخاطبة الجمهور.
فعلى الصعيد الأول كانت هناك استلهامات صريحة من التجارب العالمية ، وقد ارتبطت بالشكل غالباً : حيث رسم الترك العديد من اللوحات البيضاء . أما كاظم حيدر فصور ملحمة » الشهيد« باسلوب مسرحي لم يألفه الجمهور . وهناك تجارب أخرى لدى جماعة المجددين ، تكشف عن الكثير من التأثيرات بالفن الغربي ، ومن خلال هاجس أساسي وهو التمرد على التجارب المحلية ، ومحاولة تقديم » رؤية بديلة« او جديدة .
وعلى الصعيد الثاني ، نلمس ، عمق التمرد ، والتمرد في تقاليد المعالجة ، أو العرض ، والأنماط الجديدة التي يخاطب الفنان فيها جمهوره ، في هذه المرحلة كان الفنان قد امتلك الأداة الفنية ، والمضمونية ، لهذا نراه كان أكثر رغبة في التحرر من القواعد السابقة ، والتمرد على الجمهور ، والكشف عن نواياه ، تلك النوايا المرتبطة باتجاه يجعل من مفهوم علاقة الفنان بالواقع الاجتماعي ، مفهوماً جديداً ، وقائماً على جعل الفن مؤثراً ومرتبطاً بحركة التطور العامة ، والفنية على وجه الخصوص .
فالأعمال التي تميزت بالكشف عن » رؤية بديلة« هي في معظمها محاولة للتحرر من الجمالية – الزخرفية – التي شاعت ، وصبغت الرسم صبغة نفعية لا تناسب المضمون التحرري . بيد ان هذه التجارب ، لم تدم كثيراً وإنما غيرت من اتجاهها ، وسعت ، من خلال الأفكار الجديدة والواقع السائد – الى منح الفن وظيفة مضمونية وجمالية في الوقت ذاته .
وان أي تحليل نقدي للرسم حتى نهاية العقد السادس من هذا القرن – والسابع أيضاً- يلاحظ بجلاء الاتجاه المزدوج التوجه بين الغايات المضمونية وبين البعد الجمالي الزخرفي الذي مثله الى حد بعيد – رافع الناصري – ولكن هذا الاتجاه ليس الراسخ والسائد في طبيعة الرسم ، إنما ثمة مدارس وأساليب أخرى كثيرة متنوعة انتشرت أيضاً ، بيد انها ، في الغالب ، تحاول ان تعثر على معادلها الموضوعي بين البعدين المضموني والجمالي .
وعلى أية حال فقد انتهت مرحلة الستينات بنماذج فنية ذات طابع نفسي – داخلي – وحاولت التمرد على الجمهور السابق من أجل جمهور آخر لم يكن قد تبلور بعد . بيد ان هذا الجمهور ، وبعد ثورة (1968) بدأ بالتبلور وصار له حضور نتلمسه من خلال المعارض الجماعية والمؤتمرات وما شابه ووجود هذا الجمهور ، من ناحية أخرى ، أسهم بحد ذاته بخلق دوافع اسلوبية من نوع دفع بالفنان الى منح الفن قسمة تتجاوز المعالجات الشكلية والمحاولات الأحادية النظرية لفن يخاطب عموم الناس .
ومع ان هذا الفن لم يتجسد تماماً بمعالمه الأسلوبية العميقة ، إلا ان ما أثارته الحقبة الستينية من نزعات تمردية ، نراها تتحقق بأصالة تمنح الفن بعداً نقدياً ، بدل ان كان الفن يقلد الواقع ، أو يقوم بتحويره تحويراً جمالياً – وليس جمالياً نقدياً .
ومن ناحية أخرى نلاحظ كذلك ان طبيعة الرسم قد تغيرت من خلال أهداف الرسام : وإذا لم نلحظ هذا التغيير بصورة جلية تماماً ، فهذا لا يمنعنا من الإشارة الى بدأ طريق جديد يتجلى في تجارب عدد من فناني مرحلة العقد السادس ، ومن الفنانين الذين ظهروا بعد ثورة السابع عشر من تموز (1968) ، فمن خلال المنهج الجديد ، لا بد من الإشارة الى بدء علاقة شاملة بين الرسام ومشاهده . فإذا كانت المراحل السابقة ، وقبل (1958) قد ربطت العمل الفني بطبقة اجتماعية محددة ، فإن الفن ، أو توجه الرسام بعد ذلك ، قد اتخذ طابعاً آخر لا يخاطب فيه فئة أو طبقة محددة ، وإنما الجمهور أو الشعب صاحب القضية الأساسية والأخيرة . ومن هنا تحتم وجود الرؤية الاجتماعية .

§ المعنى الاجتماعي للفن
تبقى صلات الفنان ، مهما انفردت ، قائمة على معادلة واقعية : ان الرسام ابن عصره ، من زاوية ، وابن جيله من زاوية أخرى . ضمن هذا السياق فتجربة الرسام بتنوعها العظيم تبقى خاضعة لمفاهيم وعلاقات سائدة منها العلاقة الاجتماعية ، أو التكوين الاجتماعي للفن ولوظيفته النقدية أو الجمالية ، وتجربة الرسام العراقي ، أو مساراتها ، لم تتقدم إلا من خلال الواقع الاجتماعي ذاته ، ومن خلال تطوره .
فانتقال الرسام من الموضوعات المدرسية – وهي وليدة التأثيرات الخارجية غالباً : المنظر الطبيعي ، الصورة الشخصية ، الحياة الجامدة – الى الموضوعات الأكثر تحرراً والى الموضوعات ذات الطابع الاجتماعي النقدي – الرواد – والموضوعات الأكثر إيغالاً في النفس سلباً أو إيجاباً – الستينات – والى موضوعات الفنان ذات التوجه القومي ، أي التي سعت بتجسيد البعد القومي بفن متقدم … كل هذه الانتقالات الأسلوبية لم تحدث إلا من خلال التغيرات الجوهرية الحاصلة في الواقع الاجتماعي ذاته . ومن خلال هذه التغيرات كان أفق الفنان يتوسع بما سأدعوه بتجسيد » حلم الواقع« أو عكس الصور الخفية / الداخلية التي تشكل » الضمير« الجماهيري.
على كلٍ ما هو المعنى الاجتماعي للفن ؟
ـــ هل الفن مجرد انعكاس – مرآة سلبية – ؟
ـــ هل هو انعكاس للجوانب الداخلية / الروحية ؟
ـــ أم هو ، ضمن التعبيرات الأخرى ، لغة ذات طابع الانعكاس / المرآة ؟
ـــ وأخيراً ، أهو لغة ذات طابع للتحدي ، والفعل الواعي العميق ؟
ان التوسع في هذا الحوار يجعلنا نحسم العديد من البديهات ، فالفن ليس مرآة سلبية ، وهو في المحصلة ليس » إعلاناً« كالإعلانات التجارية أو السينمائية ، وليس هو دعاية لفلم هزلي ! الفن ، من منظار المعنى الاجتماعي ، هو تجسيد دقيق وأصيل لعلاقة الفنان بالجمهور المتكون ، أي بالمشاهد الذي لم يولد أو يتكون تماماً . فما دام فعل الفنان ، يتضمن الحلم فإنه بالتالي لا ينفذ عملاً جاهزاً – كصناعة الكرسي أو المنضدة – ذلك لأن ( المثال ) أو الفكرة لدى الفنان لا تتكون إلا من خلال فعل الحلم والإرادة الداخلية ، أي التي لا تتأتى من المجهول – وإنما من حلم الشعب – المتنامي ، والذي يحقق مثال الحرية ، وغاية الفن الكبرى .
من هنا فالمعنى الاجتماعي للفن ، لا يدل على إيجاد ( منتجات ) قابلة للاستهلاك اليومي ، أو للأغراض النفعية المباشرة . إنما في إيجاد صياغة – علاقة متينة – بين عمل الفنان ، كعمل يجسد ( المثال ) وبين التصورات المتقدمة للجمهور .
وإذا كانت هذه الفرضية ذات مثال متقدم فإن الطبيعة الاجتماعية للرسم عامة ، قد أكدت صوابها ، وفي العراق كانت تجربة الرسامين – كما ذكرت – قد ارتبطت غالباً بالاتجاهات الاجتماعية المتقدمة . اضافة الى العلاقة المترابطة بين الجوانب السياسية والفكرية التي عمقت من البعد الاجتماعي في خلق العمل الفني النقدي.
فإذا كان الفنان في السنوات الأولى من هذا القرن ، ، قد أرسى أولى قيم الرسم العملية ، فإن الرسام في العراق ، قبيل انتصاف القرن نجح في تحرير الفن من ارتباطاته الطبقية المحدودة ، وربطه بالحركة الوطنية والقومية ربطاً منحه هذا الرصيد من الشهرة والمتانة .
وكمحصلة فان المعنى الاجتماعي للفن يأتي بديلاً صريحاً للفنون التي لا تربط مصيرها بمصائر الجماهير .. ومن هنا يمكن التوسع في فهم وتحليل هذه الفكرة . فالرسام الذي لم يعد ( مرتبطاً ) بطبقة إقطاعية أو برجوازية يصور لها بذوقها ووفق رغباتها ، صار الرسام أكثر تحرراً من أفق الطبقات ، والارتباط بالجماهير ، أي بالرؤية ذات البعد الشمولي . لهذا يمكن القول – عامة ، مع استثناءات – بان تجربة الرسامين العراقيين كانت قد بدأت بداية متواضعة ارتبطت ببداية النهضة العربية وإنها قفزت – الى الأمام – مانحة الأبعاد الفنية أكثر من دلالة . اضافة – أخيراً – للدلالة الاجتماعية التي تعني أصالة ارتباط الفنان بالمجتمع .

§ مؤثرات الطابع الاجتماعي
بيد ان نظرة متفحصة للآثار الفنية المعاصرة لا بد وان ترسم لنا انعكاساً للواقع الاجتماعي في مختلف أجزاء العمل أو في الاتجاهات العامة .. فعلى سبيل المثال تميز أثر الواقع الاجتماعي في أعمال الرسامين باهتمامهم المباشر بالواقع – دراسة الطبيعة – والاهتمام بالتفاصيل وتجسيدها ضمن مناخها الشعبي أو الاسطوري الخ فاهتمام الرسامين بتصوير المدينة و القرية ونمو أو وتطور العلاقات الحاصلة بالتطور العام أظهر تأثر الفنان بالواقع الخارجي . ولنأخذ الاتجاهات البارزة في الرسم العراقي عامة ، منها اهتمام الرسام بالمدينة في حدود محاكاتها أو جعلها موضوعاً رئيسياً لعمله الفني ، أو رسم القرية ، كقرية واقعية – خالد الجادر – أو ذات دلالة رمزية – إسماعيل الشيخلي – أو رسم الموضوعات الاجتماعية أو ذات الطابع الاجتماعي ورصد هذا كله ضمن وثائق ذات قيمة اجتماعية وفنية . فإذا كان الجانب الاجتماعي يكشف لنا مثلاً مميزات كل فترة من الفترات في أزيائها وعاداتها وتقاليدها الخ فإننا نلاحظ في الجانب الفني بروز الاتجاه الواقعي وأدق خصائصه في رسم الملامح العامة والخاصة ( التكوين – التلوين – الرموز ) فأعمال شاكر حسن عن القرية ، أو بغداديات جواد سليم أو رسوم حافظ الدروبي عن المدينة الخ كلها وليدة تأثيرات الطابع الاجتماعي في الرسم .
نخلص الى نتيجة ان كل عمل فني أصيل لا يكتسب أصالته إلا من خلال ارتباطه ( الخفي ) أو الصريح بالمحيط الخارجي الذي يشكل امتداداً للماضي أولاً ومؤشراً للتصورات المستقبلية . فعلى سبيل المثال تمتلك أعمال جواد سليم هذه الخاصية ، اضافة الى » وظيفة« الفن التي يكون الطابع الاجتماعي جزءاً منها . ولهذا علينا ان لا نغلف أو نؤطر تجربة الرسام بالواقع الاجتماعي إلا في الشروط الإيجابية النهضة العربية ، وإنها قد قفزت أي كون تجربة الرسام لا تمتلك مقوماتها الكبرى وامتدادها الزماني إلا بإيجاد العلاقة المثلى بالمحيط الخارجي وجعله جزءاً – مصدراً – من مصادر تكوين العمل الفني .. لهذا السبب فان وظيفة الناقد – بعد ان يقوم بشرح المصادر وتحليلها – ان يبين طريقة الاستفادة منها وبالتالي كيفية تحويلها الى جزء داخلي يرتبط عميقاً ببنية العمل الفني .

فإذا كانت مؤشرات الطابع الاجتماعي حتى العقد الخامس تفصح عن وجودها المباشر ، فإنها بعد هذه الفترة ، ستلتحم أكثر بالجوانب النفسية والفنية الخالصة ، وبصورة يغدو فيها العمل الفني أكثر تطلعاً نحو المستقبل ، لا بغموضه أو عمقه أو رمزيته حسب ، إنما باعتباره جزءاً مهماً من تجسيد المثال الأصيل للمخيلة الجماعية ، التي تتنبأ بها مخيلة الفنان ، وتضعها على صيغة سؤال أو جواب ، وفي الحالتين فإن مؤثرات الطابع الاجتماعي ، في العمل الفني الناضج ، ليست إلا مصدراً من مصادر تكوين العمل الفني .
· الرؤية البديلة :
مما لا شك فيه ، ان أفكار الرسام ، ودور مخيلته ، فضلاً عن كونه يعمل حرفياً ، كلها أسباب تقوده الى استخلاص نتيجة . ولكن مثل هذه النتيجة ، لا تنفصل عن دور الموهبة وعن الفهم العميق لمعنى الفن وغاياته.
وما دمنا بصدد التأثيرات المتبادلة بين الكيان الاجتماعي على الفنان ، من ناحية ، وتأثيرات الفنان في هذا الكيان من ناحية أخرى ، فلا بد من التطرق الى حقيقة ان الرسام في العراق لم يعبر من منظار محدود الأفق ، أو طبقي بالمعنى الضيق ، وإنما كانت بدايته – منذ الأربعينات – ذات جذور قومية تتجاوز البعد القومي الخاص بهذه الطبقة أو تلك . فلم يظهر لدينا رسام خاص بالفلاحين أو العمال أو بالبرجوازية … بمعنى لم يظهر رسام » ايديولوجي« يمتلك نظرية متكاملة يفسر فيها حركة التاريخ وعمله وما بينهما من علاقة جدلية .
بيد ان الجذر القومي ( كمضمون ) لم يكن قد تبلور أسلوبياً بصورة شاملة وأصيلة . وأنا أرى ان الخلل القائم في تجارب الرسامين يرتبط بهذه الأشكال غير المدروس دراسة تاريخية وموضوعية . هذا من ناحية .. وكذلك فإن تنوع الأساليب في الحركة التشكيلية عامة ، ولدى الفنان – الواحد – بشكل خاص ، يمكن ان تفسر عدم وضوح الرؤية لدى الرسام أو عن عدم ارتباطه بطبقة ما من الطبقات من ناحية ثانية
ولكن الحقيقة التاريخية بصدد الطبقات لا تفضي بنا الى وجود تقسيم طبقي حاد ، وإنما الى وجود فكر وطني وقومي مضاد للاستعمار ، والى الاستلاب السياسي والاقتصادي والتخلف بكافة أنواعه .
بالتالي فان التأثيرات الاجتماعية على وعي الرسام قد ارتبطت بانتماء وطني وقومي من أجل بلورة خصائص أسلوبية ، وليس بالتعبير عن العلاقات الاجتماعية المحدودة الأفق . صحيح ظهرت في الرسم بالعراق – وما تزال ثمة ظواهر سائدة – تفسر تلك العلاقات السلبية التي يرتبط مصائر الرسامين بأفق طبقة ما من الطبقات ، - البرجوازية منها بشكل خاص – وكلنا يعلم بتأثير هذه الطبقات السلبي على وعي الرسام وربط عمله الفني بالقدرة الشرائية الممتازة لهذه الطبقة ، والتي تحول عمل الفنان ، من عمل فني خالص ، الى عمل يناسبها ، ويناسب ذوقها السلبي أخيراً إزاء حركة الواقع ، والواقع الاجتماعي بالذات .
والاتجاه القومي الاشتراكي ، في المحصلة ، هو المفهوم الأكثر تعبيراً عن مضمون الفن » الملتزم والمعاصر« : أي المفهوم الذي يعتمد على خاصيتين نلاحظ في الأولى : استلهام الموروث المشرق ، وفي الثانية : الوعي المعاصر والعلمي الجدلي .
وبالتالي فمفهوم » القومي الاشتراكي « هو سمة نظرية وخاصية داخلية للعمل الفني . ويمكن دراستها كخاصية فكرية من خواص الواقع الاجتماعي للثورة العربية ، عامة وفي فن الرسم بشكل خاص.
فالتاريخ ، ضمن هذا السياق ، ليس حلقات دائرية ، وإنما هو في تطور مستمر . والتراث العربي ليس شيئاً ساكناً وإنما هو ينمو بنمو الوعي وبنمو وعي الإنسان له .. والإنسان المعاصر لا يمتلك خاصية الأصالة دون ان يمتلك وعياً بتاريخه ، وبالتالي وعياً شمولياً في تأسيس هذا التاريخ .
ولدينا تجارب عملية كثيرة تنهج هذا الطريق الفكري منذ أيام جواد سليم وشاكر حسن ، مروراً بتجارب ضياء العزاوي ورافع الناصري ، وانتهاءاً بتجارب جيل جديد من الرسامين . وبالتأكيد لم يبلور أي من هؤلاء الرسامين نظرية » قومية اشتراكية « خالصة في الرسم – أو الفن التشكيلي – وإنما يمكن اعتبار الكثير من جهودهم العملية ، والنظرية كذلك ، الأساس الممهد لبلورة فلسفة عربية معاصرة في الفن .
فطبيعة الرسم في أعمال شاكر حسن ، محمود صبري ، وضياء العزاوي ، وغيرهم كثير : تعبر عن بحث جاد في تحديد الهوية القومية ، وإبراز سماتها بمختلف المناهج الفكرية والطرق العملية .
وهذا كله يرتبط بالشطر الأول من الموضوع ، أما ما يتعلق بالأسلوب ، فأود ان أوجز وأقول : بأن الموضوعات العامة التي نفذها الرسام ( في البيئة / استلهام التراث / القضايا القومية ومنها ثورة الجزائر ، فلسطين ، لبنان الخ ) تكشف أصلاً عن تقارب اسلوبي داخلي وخارجي وحد أو خلق وحدة بين عشرات الأعمال الفنية . فليس ثمة صعوبة – عبر المقارنة – إلا وتكشف عن خصائص اسلوبية بين عمل شاكر حسن ورافع الناصري ، أو بين عمل لجواد سليم وضياء العزاوي ، أو بين عمل لفائق حسن وعشرات الأعمال للعديد من الرسامين ، وإجمالاً فان ربع القرن الماضي من الرسم في القطر العراقي : بلور العديد من الاجتهادات الأسلوبية المتجهة بخلق المعادل الموضوعي بين الأفكار وتنفيذها العملي .

بيد ان الرؤية البديلة ، بحد ذاتها : أي الرؤية التي تجعل من الفن قيمة حضارية وتغيرية ، هي التي تسعى دائماً الى خلق طراز فني يناسب هذه الرؤية ، وليس طرازاً مستعاراً ، أو كاريكاتورياً ثوريا ! وأية محاولة لتحديد فلسفة الرؤية البديلة : الرؤية التي تعيد خلق الحياة ، وتغييرها ضمن المنهج » البعثي « لا بد وان نكون على معرفة الحقيقية التالية : ما دام الفكر يسعى لتغيير النظام الاجتماعي والحياتي عامة ، أي إزالة القيم المتخلفة وتأسس القيم البديلة فلا بد من معرفة ان الأشكال الجديدة بالضرورة ، هي وليدة حتميات هذا الفكر وأصالته .
بمعنى ان الأشكال أو الأساليب ، ليست معدة سلفاً ، وليست جاهزة بأي معنى من المعاني . فما دام الفكر » البعثي « جدلي الأسلوب ، وشمولي الرؤية ، فان الاجتهاد في بلورة الأساليب يبقى مرتبطاً بالكشف عن خصائص الفكر » القومي الاشتراكي « .
وفي حالة إجراء مراجعة تاريخية للأساليب التي ظهرت منذ بداية العقد الخامس وحتى الآن ، وإجراء مقارنة ما بينها ، سنتوصل الى ان ثمة أكثر من اسلوب قد تبلور ( بمعنى أكثر من اتجاه يشتمل على خصائص متقاربة ) ولكن من أبرز هذه الأساليب ، هو الأسلوب الذي يستمد مضمونه من الفكر القومي ، والذي تميز ، من الناحية الأسلوبية ، بالاستفادة من التراث ، والأشكال ذات الجذور الواقعية والشعبية .. ( جواد سليم ، شاكر حسن ، ضياء االعزاوي ) واتجاه تعبيري رمزي سعى للاستفادة من الأساليب العالمية المختلفة ( محمد مهر الدين ، إسماعيل الترك ، كاظم حيدر ) وهناك أساليب أخرى انضوى تحتها عدد كبير من الرسامين ، كالواقعية ، والمدارس ذات الاتجاه الواقعي ، والتجريدي ، والتجارب الأخرى …
بيد ان خلاصة لهذا كله تدفعنا الى تحديد اتجاه يمتزج بين المنحى الأول والثاني ، ومن خلال رؤية نقدية . بمعنى : رؤية بديلة أو نقدية . وأعتقد ان اتحاداً كهذا لا بد وان يسهم بخلق مفهوم جمالي لم يتبلور بوضوح حتى الآن رغم وجود العديد من خصائصه ، وبخلق أسلوب عام يمتلك روحية خاصة بالفن العربي المعاصر . ومثل هذا المنحى لا يتأتى للرسام إلا من خلال وعي حقيقي لروح الفن العربي قبل الإسلام ، وبعد الإسلام ، ومن خلال فهم عميق لفلسفة الثورة العربية ، أو بالأحرى من خلال الانتماء الأصيل لها ، ومن خلال الوعي الفني لطبيعة العمل الفني .
راكان دبدوب :
يقول الفنان راكان دبدوب ، عن معرضه الشخصي الجديد – قاعة الرواق – ما يلي :
ـ » يمتاز معرضي الحالي بالتغريب ، أي كما يقول ( بريشت ) في المسرح ( جعل المألوف غريباً ) ، إنني استخدمت مفردات مألوفة في حياتنا وبيوتنا ومستمدة من البيئة المحلية ومنها .. الأقفال والسلاسل والمفاتيح ، وقد أدخلتها مع بقية عناصر اللوحة بأداء موغل بالواقعية الى حد الفوتوغراف ، بجانب بقية مساحة اللوحة المتطورة التي تمتاز بالحداثة والتقنية المعاصرة ، فيعد هذا الجديد في معرضي الحالي وهو الذي يعطي فكرة التغريب في اللوحة ، فهناك قليل من الشعور السريالي أو الأجواء التي يرسم بها السرياليون.. «
ان هذا الحكم ، من وجهة نظر الفنان ليس مضللاً ولكن علينا ان نتحرى عن أبعاده فالفنان الذي درس الفن – النحت والرسم – في بغداد وروما – والذي مارس فن النحت ، والتصوير الفوتوغرافي ، من أكثر المخلصين للفن .. وقد ثابر في تقديم معارض سنوية من ناحية .. كما انه لم يتخل عن إسلوبه من ناحية ثانية ، انه هنا يذكرنا بالمبدأ الذي يجعل الضرورة تسبق الحرية ، بكلمة أخرى انه لا يريد إلا ان يستكمل مغزى التجربة من أجل تجربة ثانية وبأسلوب أخر .
هكذا نتعرف على عالم الفنان : البيوت .. الأبواب .. الأصابع المتشابكة .. النسوة وهن يترقبن .. والأجساد المنقطعة .. والثقوب في جميع الأشياء تقريباً .. انه لا يريد ان يتخلى عن هاجسه التجريبي ، حتى ان عملية التكرار عنده لا بد ان تفهم باعتبارها واحدة متصلة وكأنها وليدة حقيقة مشخصة بالزمن ، فراكان دبدوب ، على عكس د ∙ طارق مظلوم مثلاً من أكثر الفنانين غزارة بالعطاء ، والتجريب بل يكاد يشكل المثل الأول لبناء أو تأسيس المعنى الضروري للعمل في الفن .. ولا بد ألاّ يفهم هذا القصد بان الفنان يرسم من أجل الرسم ، بل علينا ان نفهم كفاحه بالدرجة الأولى . فهو يرسم عالمه الذي ارتبط به عميقاً : تراثه الموضوعي والشخصي وحبه للجمال وبحثه عن الابتكار .
وبهذا المعنى إجابة عن سؤال توجه به الصحفي أياد البكري ، وكان السؤال » ولكنك ما زلت متمسكاً باستخدام الثقوب في أعمالك ؟« أجاب الفنان : » الثقوب والنوهات السوداء هي سمة أعمالي الفنية أو بمثابة التوقع للدلالة على أعمالي الفنية أو رموز لها .. «
ان هذه الإجابة ليست مقنعة ، لكنها تفصح عن مغزى كفاح الفنان .. وقد كان لي حوار مع الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا قبل خمسة عشر عاماً حول معنى » التكرار « في أعمال دبدوب ، يومها قلت ان الفنان لا يعرف ماذا يريد ان يقول – الى يرسم – الى ان ثمة مشكلة ما تدفعه الى هذا الفنان التكرار : الثقوب .. الأبواب .. والنسوة الجالسات عند تخوم مجهول . وقد قال إبراهيم زاير ، قبل رحيله بعام ، ان راكان دبدوب يكرر نموذجه الفني للحفاظ على الأسلوب لا لبلورة معنى التجديد . لكن الواقع ان الفنان راكان دبدوب ، وقبل ربع قرن ، على حد كلمات الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا كان » يستخلص المتعة من الأشكال النحتية والمعمارية القديمة « ويجسدها خطاً ولوناً لحضارة جديدة ، وبالفعل فهو غير قادر عن عمل إلا تقليد نفسه . هذا الحكم قاله ( بول فاليري )
ـ الذي اطلع في أواخر حياته على موسوعة هيغل الجمالية – بمعنى ان الفنان يخلق إسلوبه من خبرته الفنية ، ومن أجل تطويرها ، بالدرجة الأولى . فهو من سكان مدينة زاخرة بالآثار .. ودراسته في روما عمقت لديه الانتماء كما يبدو ، للحس بالمكان الحضاري ، والسيكولوجي أيضاً ،، فراح الفنان » يكرر « عملية رصد العالم المتغير من خلال تذكر الصور البصرية القديمة .. أو التي عاشها . لكن ثمة أشياء ، وهي رؤى ، جديرة بلفت النظر .. فالفنان المبدع راكان دبدوب لم يتخل عن عالم النحت .. أو الخزف ،، أو الارابسك .. كما لم يتخل عن التصوير – الفوتوغرافي – وربما كتابة الشعر – من أجل بلورة رؤية حتى بالحدود التي تبدو للبعض بأنها ليست جديدة . وفي اعتقادي إننا نطالب الفنان بأشياء علينا ان نطالب بها الجمهور .. الى خلق المناخ لبلورة مغزى التجديد ومعنى بلورة معالم الجمال .
إلا ان الفنان في مسيرته عامة لم يطالب المشاهد إلا بالحوار والتذوق والنقد . ومهما كانت النتيجة فان الفنان على رغم الإشكالات الأسلوبية يقدم لنا تواصلاً يؤشر عشقه للجمال : جمال المدينة .. والإنسان .. والرموز الحية .. والاغتراب الذي له علاقة بالواقع لا علاقة له بالسوريالية ، ذلك لأن أصالة أعمال الفنان على رغم التكرار .. نابعة من الواقع ومن إرادة فنان مجدد ، ثابر على تقليد نفسه !
· رافع الناصري :
بالرغم من دراسة رافع الناصري في ثلاث عواصم ( بغداد / بكين / لشبونة ) فقد انشغل ببناء لوحة تتمتع بأكثر من بعد ، مرئي ، ومحرك داخلي لها ، ينطلق في ذلك ، كمحصلة ، لرؤية رافع الأكثر توازناً بين مثالية (الفن) وواقعيته الإشارية . فمع عنايته بالإخراج ، والتكنيك ، فانه كان يبحث عن نتائج تحقق شفافية مناخه الشخصي . وعلى الرغم – اليوم – من شيوع وانتشار إسلوبه ، فقد كانت مرحلة الستينات له ، وللفن في العراق ، قد شهدت تجارب بكر في اتجاه العناية ببنية اللوحة : ذلك المعنى المتداخل بين التكنيك والمناخ الفني والهيئة الأخيرة للعمل الفني . وعلى صعيد الأفكار لم يغامر رافع الناصري بشيء ، فقد تمسك بدراسة الأفق : الفضاء البعيد المشغول بشفافية تبلغ درجة الموسيقى أو الشعر الصافي العذب . فثمة تجريد لم يفقد جذوره المموهة ، الرمزية ، لعالم الصحراء القائم في العالم .. وللصحراء الداخلية أيضاً . فقد عبر الناصري بمفارقة بارعة بين أبعاد الفن الجمالية ، والشاعر بالعزلة الداخلية : مفارقة تبدو بعد أربعين سنة أبعد من ذلك وأكثر أهمية . فالفنان في دراسة إمكاناته وتفحص خبرته وتنفيذ أعماله بعناية واحترام ، جعلت موضوعه ( الخاص ) فلسفياً في بعده الوجودي ، والاجتماعي ، والجمالي في الأخير . ثمة ميتافيزيقية متداخلة بروح تعبيرية تكمن في تكنيكه المشغول بعناية ، بالكرافيك أو بالكرليك أو بالزيت . فتناقضات الملمس تؤدي وظيفة البوح بعالمه الثنائي ، المتوحد – أخيراً – بإشراقة صوفية معاصرة تجعل معنى الحياة يكمن في الفن ، كما يكمن الفن في معنى – وجوهر – الحياة . وليس من شك ان إدخاله للحرف العربي ، رمزياً ، يذكرنا بتراث عظيم يرجع الى سومر ، مروراً بالمعتقدات والتراث الشعبي : ثمة أشكال تحكي ماضيها ، من غير فعل مباشر . فالفنان قدم تجربة اختزال فيها الزوائد ، كمشهد جمالي لعالم يتحرك بقوانيه ، ولكن من زاوية فنان تمتع بشفافية شعرية نادرة .
· خضير الشكرجي :
تكمن أصالة الفنان خضير الشكرجي في موضوعاته المستلهمة من حياة الشعب . انه هنا يؤكد صواب الأسس التي وضعها فائق حسن ، ضمن ابداعات جيل الرواد . ومهما كان الحديث في هذا المجال قد أخذ حيزاً أكبر بكثير من الحديث عن التجارب الجديدة ، فانه يؤكد أهمية هذه الأسس ولا يتعارض مع الابتكارات المضافة .
فالاتجاه الفني عند خضير الشكرجي يمنح علاقة صائبة بين المشاهد والواقع .. فهو لا يستمد لوحاته من »الكتب « أو من التجارب العالمية ، مهما كانت متقدمة ، وإنما استمد أصول ابداعه من النتائج التي وضعها الرواد ، وأضاف لها ، بفعل التزامه البعد الواقعي للفن ، نتائج دراسته للواقع .
ومن هنا منح الفنان خضير الشكرجي الموضوعات الشعبية هذا الإحساس الدينامي بقوة الحياة .. ذلك لأنه أعتمد فكرة البناء في الموضوع ، فهو لا يرسم الأشكال من أجل الأشكال ، ولا يرسم بدافع الزخرفة المجردة .. وإنما هو يعبر عن حبه العميق لصانعي الحياة .. وهم في معظم لوحاته هؤلاء الذين ينتمون الى بسطاء الناس . فواقعيته هنا تؤشر فكرته عن الرسم ، أي استلهام مفردات » العمل « بالدرجة الأولى .
فالفلاحون هم الأكثر تكراراً في لوحاته الفنية .. أي انه يؤكد قيمة المنتج وقيم الإنتاج بالدرجة الأولى .. فالحياة عنده هي النمو والازدهار والتطور والفلاحون هم الشريحة الاجتماعية الأولى في العدد وفي البعد الرمزي الممثلة لهذه الرؤية . فهم الذين ينتمون الى الأرض ، مثلما هم يعبرون عن تراثهم الروحي القديم . ولهذا السبب نلاحظ ان الوجوه معبرة عن شخصية العراقي وهو يبدع حضارته : هذا المزارع الذي يحمل في أعماقه مبدأ الخصب. وهنا يتخلص الفنان الشكرجي من الموضوعات المعدة للنخبة وذلك من أجل الخطاب الاجتماعي للفن .
وفي لوحته المنشورة هنا ، يزاوج الفنان ، وبذكاء إسلوبه الواقعي المحور ، بين الفلاح والمقاتل .. فنحن عملياً أزاء حقيقة واحدة كانت حضارة وادي الرافدين ، منذ فجر السلالات ، قد رسختها في التاريخ وفي الابداع الفني . فالفلاحون يصنعون غذاء الشعب ، وهم ، من ناحية ثانية يؤسسون مفاصل الحضارة .. وهم ، في البعد الثالث ، يدافعون عن معمارهم الروحي والمادي بما يوازي الكفاح المبذول من أجل صناعة الحضارة ، أي من أجل السلام وشرف الكرامة البشرية .
ان هذه المفردات تكتسب أهميتها اليوم أيضاً ، مثلما كانت مؤثرة في الماضي ، أي إننا أزاء :
أولاً : العمل .. أي الانتماء الى الأرض ..
ثانياً : الدفاع عن هذه القيم ، كعدالة لا بد ان تأخذ مسارها بين حضارات الشعوب الأخرى .
هذا القانون الواقعي عند الفنان ، أبدع لنا مجموعة كبيرة من اللوحات التي تمجد العمل عامة ، والزراعي على نحو خاص .. وتمجد جماليات الحياة .. مثلما يعبر هذا القانون عن أهمية هؤلاء الذين يدافعون عن ثمار الابداع والابتكار .
وبهذا المعنى يبدع الفنان خضير الشكرجي لوحاته المستمدة من أصالته ، ويمنحها قيمة مباشرة وغير مباشرة أيضاً للتعبير عن إيمانه بالمستقبل فهو لا يرسم للترف أو لتزيين الجدران .. انه ينقلنا من مفهوم » النخبة« الى الشعب ، وبأسلوب يمجد نبل الحياة وجمالها . فهو يرسم قيم الحياة الخالدة : الابداع في منح الوجود مغزاه الروحي ، إنسانياً ، ووفق رؤية واقعية أصيلة .
§ ضياء العزاوي :
أهتم ضياء العزاوي ، كواحد من الجيل الذي أعقب الرواد ، بصقل موهبته ، واحتساب الخبرة العلمية قيمة أساسية لتطور الموهبة ، ومنحها شرعيتها الواعية . فالعزاوي ، كمثال آخر من جيله أمثال رافع ومحمد مهر الدين وإسماعيل الترك والجميعي الخ جعل حياته مرتبطة بالفن من جهة ، وبالاتجاه التجريبي بمعناه الصحيح من جهة ثانية . ومعنى الأخير ، يرتبط ، بفهم الاتجاه التجريبي كبحث لا ينفصل عن محور واضح أو شبه واضح لدى الفنان بمخيلته – حدسه – أو عقله المدرك .
ان العزاوي ليس هاوياً بل باحثاً ، وبحثه ، منذ عدة سنوات ، يعتمد على جعل الفن لغة حضارية . أي : لغة جمالية . بيد ان تجريبيته أوضح من هذا التحديد القاصر . حيث نلاحظ ، ان إمكانياته تتجاوز أغلب ما نفذه من زخارف ومصنفات ديكورية وإعلانية لها مكانتها بلا شك ، ولكنها لا ترقى الى تلك الإنجازات الخاصة بالكشف عن »المحنة « والحس الفاجع ، أو التي تمتلك قوة الإيحاء ، وخبرة الفنان المدرك لتجربته الابداعية .
· حول اللون :
وفي المعرض الأخير ، الذي أقامه العزاوي على قاعة الرواق ، يقدم لنا تطويراً لأعماله الزيتية – والمواد الأخرى - ، وهذا التطوير لا يعتمد ، كما يبدو ، بمحاولة لمنح اللون قيمة الموضوع ، أو الارتباط به على الأقل . وإنما بإدخال الخط ، كعامل فعال في تشكيل اللوحة ، وإكسابها قيمتها الأخيرة .
ولا بأس ان أشير الى ان توجه العزاوي جعل اللوحة تؤدي وظيفة جمالية . أو بالأحرى ، ان تخلق مناخاً احتفالياً يرجعنا الى الأساطير المحاكة عن ليالي ألف ليلة والأيام والسعيدة فيها وفي غيرها من الأساطير والحالات . وكان بحق للعزاوي ان يهتم بالجمال ، أي بالتشكيل واعتماد اللون قيمة مهمة في تأسيس مناخ اللوحة الاحتفالي السعيد . ولكن المشكلة التي لازمت الفنان ، وبالذات في الأعمال ذات المنحى المأساوي .. ان الألوان لم تعد مرتبطة بطبيعة الموضوع . وأبسط مراجعة لهذه الأعمال تجعلنا نلاحظ ترف اللون ، وسحره ، وما يمنح من لذة .
وفي المعرض الأخير ، يحاول الفنان ان يتخلص من تأثيرات الألوان » المتفرقة « ذات الطابع الزخرفي الإسلامي الجمالي ، ولكنه في قسم من أعماله يسير باتجاه لا يختلف عن الأول في طبيعة التكوين وأغراض العمل . فاللون ، غير مختزل ، وإنما زاخر بحرارة اللون الشرقي ، ومناخه أيضاً . فعالم الأسطورة عنده ما يزال يحمل هاجس البدائي ، وحدس الفنان أزاء تاريخ غامض ، مسحور ، ومبطن بالألغاز . ولكنه في عدد آخر من الأعمال ، وبالذات بالتخطيطات الكرافيكية ، فانه ينجح بمنحنا ما سعى إليه ، أي ما أراد ان يعبر عنه .
الخط ( ) لون * ، ولون مختزل . والتخطيط – أي تخطيط – هو مجموعة من الألوان ومن قيمها الضوئية في الوقت ذاته . ولكن الفنون في عالمنا ، كما يبدو ، لم تعد كلاسيكية الاتجاه ، أو ذات نزعة محافظة وتراجعية . بمعنى ان التجارب المعاصرة ، والملتزمة بقضايا الإنسان ، لم تعد متحررة إلا من هذه المفاهيم ، وفي الوقت ذاته ، منطلقة منها ! فالخط ، لون ، واللوحة التشكيلية ليست إلا مجموعة من قواعد الرسم المتطورة ، وبالتالي ، فضياء العزاوي – يعلم نفسه ، ويتقدم عليها – يستفيد من هذه الفكرة ومنذ عدة سنوات لما استفاد من اسطورة جلجامش ، ومن التراث العربي القديم ، والإسلامي الخطي والزخرفي ، فإنه راح يمتلك وعياً خاصاً بضرورة اختزال اللون ، وبضرورة منح اللون وجوداً لا مباشراً داخل العمل الفني . أعتقد ان الفنان قد نجح في عدة مجاميع من تخطيطاته وبالذات في ملحمة جلجامش ، ، وأعماله عن فلسطين ، وهاهو يخوض تجربة لم يلتفت إليها أي فنان آخر – كما أعلن – عندما استلهم من المعلقات الشعرية مادة تشكيلية ، لم يلعب اللون ، فيها دوراناً تزويقياً. كما انه يتجنب اللون الصريح ، لصالح الخط ؛ كلون مختزل ، أو كلون رمزي ، ويحمل بذاته دلالاته الخاصة .
· المعلقات :
بدءاً أحدد ميزة مهمة لفن العزاوي ، أي محاولته للتحكم بالعمل ، ومنح العقل – ونتائج المران وعلم الفن – سيطرة على إخراج العمل . بالتالي فالعفوية في أعماله ليست حرة ، إلا بالحدود التي يتيحها عقله .
ومن هنا ، فاختياره للمعلقات ، كجزء من التراث الأدبي للأمة ، لم يأت بمجرد المصادفة . وإنما كتعبير عن التزام الفنان باستلهام الموروث القديم للأمة ، والاستعانة به ، كمناخ أو رمز . لمنح العمل هوية واضحة الدلالة ، والمعالم الحرفية في الوقت ذاته .
فبعد ان رسم الكثير من الصور لملحمة جلجامش ، وأساطير وادي الرافدين ، وغير ذلك من التراث الوسيط والمعاصر ، يعود الى الجزيرة العربية ، ويبدأ بالمعلقات الشعرية ، ويختار سبعاً منها ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذا الاختيار ، وهذا التحديد للمعلقات ، وإنما نحن هنا أزاء تجربة تحاول ان تعطي للماضي مكانته القديمة ، ومكانته ، كامتداد ، وجذر ، وصلة بالحاضر .
وأول ما في هذه المعلقات ، هو التعبير عن التاريخ وبشكل أدق ، عن الإحساس بالتاريخ ، أو حركة الزمان . فالعزاوي لا يشرح لنا القصائد ، وإنما يحاول ان يذكرنا بقدمها ، بابتعادها عنا ، وبحضورها معنا . ان هذه المعلقات قيمة تتعالى على الزمن ، ان لم تكن تتحداه . وأعتقد ان الفنان ، بهذه الفرضية ، يريد منا ان نكون في التاريخ ، وفي حركة التاريخ أساساً.
وثاني ما في هذه المعلقات ، إنها تخلق للمشاهد ذاكرة . وإنها كذلك تطالبه بامتحان ذاكرته عن الماضي ، أي عن المعلقات . لكن الفنان ، كما قلت ، لا يؤدي دور المفسر للقصائد ، وإنما يؤدي دور الفنان . وهذا ما يقودنا الى ما يلي : ـ
ثالثاً .. حيث نحن أزاء أعمال معاصرة يختلط فيها الرمز القديم بالحديث ، والشكل الإنساني بالتجريد ، والإيضاح المباشر بالدلالة . إلا ان مهمة الفنان ، بهذه الأعمال ، تتضمن عدة دلالات ، كلها ، تصب باتجاه خلق وحدة للعمل الفني .
وعلينا ان نتوسع ، بهذا الشأن ، قليلاً : فهذه التخطيطات ، لا تسعى لأجراء تغيير لمهمة العمل التشكيلي ، وإنما ان تمزج الشعر لصالح عمل فني متكامل أولاً ، وأنها لا تريد ان تكون وسيلة إيضاح ، أو إعلان ، وإنما ان تجدد ذاكرتنا ، أو بالأحرى ان تذكرنا بالمخيلة التاريخية التي يكون فيها الماضي وحدة أساسية من وحدات هذا التاريخ ثانياً . وهذه الأعمال بالتالي تريد ان تخلق اتجاهاً الى جعل الموروث الأدبي ، والشعري بشكل خاص ، مادة تشكيلية تعالج بشكل معاصر .
ووحدة العمل ، إذن ، تبدأ من هذه المفردات كافة : من مادة القصائد ، مناخها ، واستعمال الكتابة المباشرة ، وتجريدها ، اختزالها ، ومحاولة خلق بعض الدلالات الخاصة بشعراء المعلقات ، وبتشكيل خاص لها ، وبالاستفادة من الاتجاهات الفنية المعاصرة الخ ووحدة العمل بالتالي ، ضمن غياب اللون المباشر ، الصريح ، تؤدي دور الإفصاح عن أفكار الفنان بصورة قد يكون الفنان سعى لها في أعماله الأخرى ، لكنه ، هنا ، أزاء نتائج مختلفة نسبياً . فلقد نجح بالتعبير عن مقاصده ، بصورة يدرك المشاهد فيها ان الفنان لم يسع لخلق رؤية جمالية خارج حدود الموضوع المعالج ، أولاً ، وان الفنان ، قد نجح بتشذيب اللون التزييني بأعماله ثانياً ، وأخيراً ، فان ضياء العزاوي ، كان يدرك قيمة الخط ، وقيمته المزدوجة من الناحية الحرفية والدالة ، عندما كرسه لتحقيق فكرته لا عن استلهام التراث الشعري ، فحسب ، بل بضرورة استرجاع الذاكرة التاريخية ، وبضرورة إدخاله بالفن التشكيلي كقيمة مضمونية ، وجمالية أيضاً .
· ملاحظة:
ان دلالة الخط اللونية لا ترتبط بقيمته اللونية ، أو بدرجاتها – التون – وإنما بالإيحاء اللوني للخط . لأن اللون في التخطيطات هو ما يلامس مخيلة المشاهد ، ودرجة حساسيته للون .
· محمد علي شاكر:
يذهب محمد علي شاكر في واقعيته مذهبا نفسيا وجماليا على حد سواء0
على الصعيد الأول يدرس الفنان انعكاسات المحيط المحلي الذي عاش فيه والتعبير عن أدق تفاصيله00 هذا الانعكاس العفوي الذي يمثل ، في الوقت نفسه موهبة الفنان وحساسيته تجاه الألوان ، يمثل مدى معرفته الحميمية بالأشياء …
فالفنان ، منذ صغره استلهم الطبيعة المحلية وعشق تصوير الحياة الاجتماعية .. ومن خلال رصده لهذا المحيط الزاخر بالذكريات صور عشرات المشاهد المستمدة من القرية والمدينة مجسداً بهذا الحالات السايكولوجية للأعماق . لتلك النفوس الحزينة التي لا تخلو من أمل وانتظار .. هذا الأمل أو الانتظار أو الرجاء يعكس صخب الخارج في المحيط النفسي السري لها . في الوقت ذاته صور الحياة الخاصة بصمت الأشياء … فالفنان ، في حداثته دمج بين حركة ومأساته ، وبين حركة الأشياء وما تحتويه من معانٍ داخلية . صحيح ان الرسم عامة هو المهد البصري للسطوح ، إلا ان الرسم ، وهذا ما عالجه الفنان ، مرآة لصمت بعيد أو يكاد لا يكون مرئياً . انه ضرب من التصوف بالتعبير عن امتنان وشوق وترجي مستحيل . هذه المفردات – الآمال – صنعها الفنان عبر علاقة الإنسان بالأشياء ، ومن خلال الأشياء في حركتها النفسية أو الروحية ان جاز التعبير ..
وعلى الصعيد الجمالي ، لم ينسَ الفنان ان الجمال في المحيط – في الخارج – هو جزء من رؤية الداخل . أي انه أعطى خلاصة لهذه العلاقة بين مشكلات النفس والبعد الجمالي للمغزى الروحي للفن . فالفنان ، بحساسيته النادرة ، التي تبلغ مرحلة الموسيقى ، يصور الأشياء في حركتها الدائمة وفي صمتها العميق . انه قد يبدو متناقضاً .. إلا انه ، كرسام واقعي ، راح يصور الحياة في جدلها الدائم : مشاهد الطبيعة وسحر العالم .. ومشاهد النفس الداخلية وخفاياها غير المرئية ، ان واقعيته هنا تكمن في رصد الأبعاد المختلفة للحياة .. وبالتالي ، كما في تجارب فائق حسن وإبراهيم العبدلي ، أعطى للاتجاه الواقعي مستواه الأسلوبي المناسب .
·
· إبراهيم العبدلي :
لم يكتب عن تجربة الفنان إبراهيم العبدلي بما يوازيها وهو أمر يخص النقد والنقاد من ناحية .. ويخص الفنان ذاته من ناحية ثانية .
إلا أن تاريخ الفن المعاصر في العراق سيتذكر جهود هذا الفنان المبدع . فحساسيته للألوان لا تقل أهمية عن حساسية فائق حسن .
فالواقعية عند إبراهيم العبدلي ، واضحة المعالم .. وهي في الغالب مزاوجة دقيقة بين الأسلوب الأكاديمي والمهارة بالتعبير عن حريته التقنية . وفي الحالتين فان اختيار الفنان يفصح . كما لدى محمد علي شاكر ، عن تحديد لمنهجه وعن قدرة لتصوير هذا المنهج . الموضوعات الشعبية عنده . تذكرنا . كما في لوحات فائق حسن ، بدراسته للواقع والبيئة .. وقد نفذها ، كما أشرت . بالمزاوجة الدقيقة لبن خبرة الرسام ووعي الفنان المتقدم .
ان إبراهيم العبدلي ، وفي هذا السياق ، يمضي بعيداً وعميقاً في فهم الاتجاه الواقعي للفن المعاصر .. فهو لم يجازف بموهبته أو بمهارته كفنان حريص على التكوين وبناء العمل الفني .. ولهذا نراه ، ومنذ البدء ، قد اختار واقعيته بعيداً عن التيارات المتطرفة بدافع الحداثة . لكن هذا لا يلغي حداثته كرسام يلعب بمادته الفنية ، وفي الألوان على نحو خاص . انه استثمر مهارته في هذا المجال وبدقة لا تقارن إلا باسلوب الأستاذ فائق حسن .. وهي دقة الفنان الذي حدد منهجه الفني واختار إسلوبه بالتعبير عن حياته الشعبية وبالتعبير عن أهمية القواعد للمسيرة التشكيلية عامة . واختيار الفنان الأخير يوضح تبلور رؤيته وتكاملها . فهو يتأمل طويلاً في إنجاز عمله الفني ، هذا التأمل الذي يفصح عن خبرة وعن مهارة وسّعت من أفق الأسلوب الواقعي عنده ، لا كقاعدة للرسم فحسب ، بل كمفهوم لرؤية الحياة .
وهنا يمكن التحدث عن معنى » الرؤية « في تجاربه .. أي عن رؤيته للأشياء في حركتها الدائمة : هذا التغير في الأشياء ، وعدم الاستقرار .. وعن أفق المعنى الإنساني ..
على انه في هذا يختار البعد الواقعي لرؤيته كأسلوب غدا منذ عصر النهضة ، عالمياً . ومثل هذه العالمية لا تتعارض أو تتقاطع مع البعد المحلي ، بل تتجانس كقيمة جمالية وكخطاب في رؤية الأشياء . فدقة الفنان مثلاً تؤشر مهارته لا في الرسم الواقعي فحسب بل في الرؤية الواقعية للأشياء ومدى صلتها بمحركات الحياة .. لأن المحلية تؤشر جدلية الرؤية ذاتها .. هذا ما جعله يختار الرؤية الواقعية .
· د ∙ ماهود أحمد:
تفصح تجربة الفنان ماهود أحمد ، في سياقها التاريخي ، للفن المعاصر في العراق ، عن دلالة الحداثة الوطنية في الفن ، تجاه النزعات الأوربية – الغربية ، التي أخذت بالانتشار .. ومن ناحية أخرى فالفنان ، عبر صراعه مع المشكلات ( الفنية ) وحواره معها ، لم يأخذ من ( متحف الماضي ) إلا رموزه ونبضه ان جاز التعبير .. ولم يأخذ من ( متحف عصرنا ) إلا ما يمكن ان يجعل الفن قيمة من قيم الوجود ، والحياة في بعدها المرئي ، والروحي، والاجتماعي في الأخير .
وفي الحالتين كان الفنان د ∙ ماهود أحمد يضحي بأشياء كثيرة تخص الحداثة المعاصرة ، من أجل تطوير بحثه التشكيلي الذي يخاطب به جمهوره والإنسان بشكل عام . إننا أزاء تجربة تتمثل فيها القيم ( التعبيرية ) في موازنة بين الذاتي والموضوعي . فضلاً عن ظهور معالم ( المعاناة ) بشكل يعلن عن مكانة الإنسان ، كرمز حيوي ، في معنى الفن وفي دوره بشكل لا يصير فيه الأسلوب محض قناع أو شكل أو مهارة أو محاكاة .
وإذا تساءلنا عن الأشياء التي ضحى بها الفنان – من ناحية ثانية – فان أول سؤال يواجهنا هو لماذا لم ينسحب الفنان الى الأشكال التراثية ؟ ولماذا لم يتعلق بتقنيات الحداثة ( وهي أوربية – غربية بشكل عام ) ؟ الجواب نجده في تعلق الفنان الصميمي بمشكلات إنسانه ومدى تمثل هذا الأسلوب بهذا المضمون ( الخاص – المحلي ) (الخاص – الوطني ) .. إلا انه اختار الطريق الأكثر صعوبة .
هذا الاختيار ، في هذا السياق ، منح لوحاته ما نجده في البناءات الفنية القديمة من معادلة بين الواقعي والأسطوري ، وهو ما نجده في الفن المعاصر من وحدة بين المعنى والتقنية .
هكذا تصير لوحاته ( أسطورة ) في زمنها الواقعي ، بدل ان تسحبنا الى ( الماضي ) كلية أو الى ( حداثة العولمة ) بشكل مطلق ، ذلك إننا نطالع في هذه الوحدة محتوى تأسيساتها التي تحمل مبرراتها المضمونية والأسلوبية معاً .
فماهود أحمد ، في هذا الخطاب ، يمثل عصره انطلاقاً من حضارته .. جذره .. عراقيته .. ليحاور العالم بهذه الأبعاد . وهو في الحالتين ، يسعى الى بنية متماسكة : بنية ابداع يتمثل فيها ( الوطني ) – الخاص – في محتوى الخطاب ، وأسلوبه ، بدل أي اختيار آخر .
· خلاصة
بدأت تجارب الرسام العراقي الحديث ، باتجاه سعى لتجاوز مختلف السلبيات . ومنها في الدرجة الأولى : صلة الفنان بالواقع الاجتماعي ، ومنها : معنى الفن وغاياته . وأخيراً فهم أصيل للأسلوب . وضمن هذه الأهداف نجح الرسام بخلق رؤية واقعية المحتوى والأسلوب معاً . وبهذا الاتجاه تجاوز الانتماء السلبي لطبقات رؤيتها لا تناسب البعد القومي ، والنظرة الشمولية . ومن زاوية أخرى فانه ركز على تجسيد المحتوى القومي ، بقصد أو بدون قصد . وبذلك فقد خلق صلة اجتماعية من نوع خاص بالفكر القومي ، بل بالفكر القومي الاشتراكي أساساً . صلة تكشف عن محتوى الفن : كعمل إبداعي تغييري ، وعمل حضاري لا ينفصل عن محتوى فكرة » الانبعاث « الحضاري العربي ، وعن توجه وخلق صلات بالطبقات الكادحة . وبهذا المحتوى فان الإنجازات الحالية للرسام في العراق كشفت ، وتكشف ، عن هذا الانتماء ، وهي تسعى لخلق مستوى متقدم ومتطور خاصة في خلق وحدة بين المضمون والشكل . فكما نعلم ، ان الأسلوب هو نتيجة تحقق المضمون والكشف عنه ، فان الرسام العراقي سعى باتجاه لا ينفصل فيه أسلوب الرسم عن معنى الفن .
بالتالي نشخص نتيجة ذات قيمة وهي تتجلى في تأصيل البعد » الواقعي النقدي « الذي هو شكل من أشكال »الرؤية القومية الاشتراكية « وأساس يمكن ان يرتبط بالاتجاهات الخاصة بالنمط الفني : كنظام تعبيري لا يعتمد على المحاكاة أو التجريد أو التعبير الرمزي ، بل يعتمد على خلق » توتر « وحالات من الارتداد والتقدم تخلق لدى المشاهد محفزاً لأدراك المشكلة المعالجة أو لدلالتها . فهذا الاتجاه الواقعي النقدي يبدأ من فهم الواقع ، ونقده من أجل خلق مناخ واقعي بديل . ومثل هذه العملية ، بالتأكيد ، لا تعتمد على فهم » الأشكال « منفصلة عن » جذورها « وصلاتها بالواقع الاجتماعي وبذهن المشاهد أولاً ، كما تسعى لأجراء صدمة لهذا الذهن من أجل تجذير الانتماء القومي ثانياً . فالاتجاه الواقعي النقدي في الرسم ، في الأخير : هو أدق » تعبير « إيجابي عن تحديد موقف الرسام ، وفهمه للفن كباعث ثقافي ومؤثر فكري وجمالي في الأخير . ولا بد من التنويه بان جذور هذا الاتجاه قد ظهرت في أواسط الستينات من هذا القرن ، ولكن الإضافات المهمة لهذا الاتجاه لم تظهر إلا في السنوات الأخيرة من العقد السابع ، ولدى الرسامين الشباب الذين ظهروا بعد ثورة (1968) ، وذلك باعتمادهم على خلق لوحة ذات جذور واقعية ، دقيقة ومتقنة ، ورؤية انتقادية لا تعتمد على موقف احادي النظرة ، وإنما على رؤية جدلية تكشف عن حركة الواقع أولاً ، وعن محتوى العمل الفني المساهم في تكوين الواقع الجديد .
ومن هنا – أو لهذا السبب – تمالك الرؤية البديلة » النقدية « أصالتها ، بالرغم من انها لم تصر ظاهرة خاصة في طبيعة الرسم بالعراق ، ولكن مثل هذه النتائج الأولية لا بد وان يحفزنا للقول بان التطبيقات العملية للاتجاه » القومي الاشتراكي« تشير الى عمق إدراك الرسام وفهمه المتقدم للأسلوب ، الذي هو » لغة « معبرة عن »فكرة « أو بالأحرى : لغة معبرة عن نظام خاص من التفكير والنظر والعمل .. ومثل هذه النتائج ، كذلك ، لا تعبر عن أصالة هذا الاتجاه حسب ، وإنما عن ضرورة تجذيره بتحرير الفن من المحاكاة والغايات النفعية المباشرة وتعميق صلته بفلسفة الواقع الثوري …

01 سبتمبر, 2009

تنبيه مهم:::::::::::::::::::::::>

السلام عليكم

رمضان كريم على الجميع اتمنى ان يكون جميع متابعي المدونة بأفضل حال..سبق واشرت الى قرب انتهاء المساحة المحددة لمدونة لتحميل الصور ..لذا تم انشاء مدونة2 لتكمل هذه المدونة اي انها ستكون نفس مضمون المدونة الاولى اي مختصة بلفن التشكيلي حصرا..
لذا وجب التنبيه لذلك ..ادناه رابط المدونة الجديدة:

My new blogger


26 أغسطس, 2009

النساء بريشة الرسامين:




عش العصفور: Sparkling 'Bird's Nest'





من اجمل التصاميم العالمية لملعب رياضي يقع في الصين..التصميم مأخوذ فكرته من شكل عش العصافير..

الرسام :Tony Curanaj

رسوم للفنانة:Rene Porter


الخزافة الامريكية:Carol Alleman